الشيخ محمد رشيد رضا
526
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وينكرون على غيرهم ما أعطاه اللّه بباعث البغي والحسد والغرور وجملة ( وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ ) تشعر بأنهم كانوا يتواطؤن على هضم الغريب وبخسه ، وإن كانت تشمل بخس الافراد بعضهم أشياء بعض ، وهضم الشعب في جملته أشياء الغرباء الذين يعاملونهم ، فقد روي أنهم كانوا إذا دخل الغريب يأخذون دراهمه ويقولون هذه زيوف ، فيقطعونها ثم يشترونها منه بالبخس يعني النقصان ، وهذه النقيصة فاشية بين الأمم والشعوب في هذا العصر ، فتجد بعضهم يذم بعضا وينكر فضله كالافراد ، وترى التجار في عواصم أوربة يغالون من الأسعار للغرباء ما يرخصون لأهل البلاد ، وترى بعض الغرباء يستحلون من نهب أموال المصريين بضروب الحيل والتلبيس ما لا يستحلون مثله في معاملة أبناء جلدتهم ، وأما المصريون وأمثالهم من الشرقيين فهم في معاملة الإفرنج كما قال الشاعر : لكن قومي وان كانوا ذوي عدد * ليسوا من الشر في شيء وان هانا يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة * ومن إساءة أهل السوء إحسانا ويا ليتهم يعاملون أنفسهم ومن تجمعهم معهم أقوى المقومات هذه المعاملة ، بل يكثر فيهم من يبخسون أبناء قومهم وملتهم أشياءهم ويهضمون حقوقهم ، ويعظمون الأجنبي ويعطونه فوق حقه . وانما استذلهم للأجانب حكامهم ، فهم في جملتهم مبخوسون لا باخسون ، ومظلومون لا ظالمون ، وهم على ذلك مذمومون لا محمودون ، ومكفورون لا مشكورون ، ( وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ) تقدم نص هذه الجملة في آية ( 55 ) خطابا لامتنا ففسرناها بما يناسب المقام . ونقول فيما يناسب المقام هنا إن الافساد في الأرض يشمل افساد نظام الاجتماع البشري بالظلم وأكل أموال الناس بالباطل والبغي والعدوان على الأنفس والاعراض ، وافساد الاخلاق والآداب بالاثم والفواحش الظاهرة والباطنة ، وافساد العمران بالجهل وعدم النظام . واصلاحها هو ما يصلح به أمرها وحال أهلها من العقائد الصحيحة المنافية لخرافات الشرك ومهانته ، والأعمال الصالحة المزكية للأنفس من أدران الرذائل ، والاعمال الفنية المرقية للعمران وحسن المعيشة ، فقد قال تعالى في أوائل هذه السورة ( وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ ) فقد أصلح اللّه تعالى حال البشر بنظام الفطرة وكمال الخلقة ومكنهم من اصلاح الأرض بما آتاهم من القوى العقلية والجوارح ، وبما أودع في خلق الأرض من السنن الحكيمة ، وبما بعث به الرسل من مكملات الفطرة فالافساد إزالة صلاح أو اصلاح ، وقد كان قوم شعيب من المفسدين للدين والدنيا كما